ابن الجوزي

169

زاد المسير في علم التفسير

عليه ، لأن سنة الله النصرة لأوليائه . و " سنة الله " منصوبة على المصدر ، لأن قوله : " لولوا الأدبار " معناه : سن الله عز وجل خذلانهم سنة . وقد مر مثل هذا في قوله : " كتاب الله عليكم ) ، وقوله : ( صنع الله ) قوله تعالى : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم ) روى أنس بن مالك أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فأخذهم سلما ، فاستحياهم ، وأنزل الله هذه الآية . وروى عبد الله بن مغفل قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة ، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا ، فثاروا في وجوهنا ، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم ، فقمنا إليهم فأخذناهم ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل جئتم في عهد ؟ " أو " هل جعل لكم أحد أمانا ؟ " قالوا : اللهم لا ، فخلى سبيلهم ، ونزلت هذه الآية . وذكر قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا ، فأتوه باثني عشر فارسا من الكفار ، فأرسلهم ، وقال مقاتل : خرجوا يقاتلون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهزمهم النبي صلى الله عليه وسلم بالطعن والنبل حتى أدخلهم بيوت مكة . قال المفسرون : ومعنى الآية : إن الله تعالى ذكر منته إذ حجز بين الفريقين فلم يقتتلا حتى تم الصلح بينهم . وفي بطن مكة ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الحديبية ، قاله أنس . والثاني : وادي مكة ، قاله السدي . والثالث : التنعيم ، حكاه أبو سليمان الدمشقي . فأما " مكة " فقال الزجاج : " مكة لا تنصرف لأنها مؤنثة ، وهي معرفة ، ويصلح أن يكون اشتقاقها كاشتقاق " بكة " ، والميم تبدل من الباء ، يقال : ضربة لازم ، ولازب ، ويصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم : أمتك الفصيل ما في ضرع الناقة : إذا مص مصا شديدا حتى لا يبقى فيه شيئا ، فيكون سميت بذلك لشدة الازدحام فيها ، قال : والقول الأول أحسن . وقال قطرب : مكة من تمككت المخ : إذا أكلته . وقال ابن فارس . تمككت العظم : إذا أخرجت مخه ، والتمكك : الاستقصاء ، وفي الحديث : " لا تمككوا على غرمائكم " . " وفي تسمية " مكة " أربعة أقوال : أحدها : لأنها مثابة يؤمها الخلق من كل فج ، وكأنها هي التي تجذبهم إليها ، وذلك من قول العرب : أمتك الفصيل ما في ضرع الناقة . والثاني : أنها سميت ( مكة ) من قولك : بككت الرجل : إذا وضعت منه ورددت نخوته ، فكأنها تمك من ظلم فيها ، أي : تهلكه وتنقصه ، وأنشدوا :